حسن الأمين
270
مستدركات أعيان الشيعة
الأسر التي تتوزع بين القريتين ، وهي الأسرة التي ينتمي إليها صاحب هذه الكلمات . لله تلك العهود التي كان لا يمضي يوم فيها إلا واسم وادي السامر مذكور فيه ، ولله تلك الرحلات الجميلة بين القريتين أيام الربيع والصيف ! . ولله تلك الساعات التي يقال فيها في شقرا : ( سياد الصوانة ) هنا فتنعقد الحلقات وتعلو الضحكات وتطول الأحاديث ! . . بل ربما كان مجيئهم ومجئ غيرهم من أفراد الأسرة من عثرون ومجدل سلم مبعثا لكثير من الشعر الطريف الذي يمثل الحياة العاملية بكل ما فيها من ترف وشظف وجد ولعب ! . وقد ضاع كل ذاك الشعر فيما ضاع من التراث العاملي لأن أحدا لم يعن بتدوينه وإنما تلي بوقته ، وسجل في وريقات ، ثم ضاع ! . وأذكر من هذا أبياتا من قصيدة قيلت في بعض من قدموا من عثرون والصوانة ، راكبين على خيل ربطوها ، ثم غابوا فلم يعودوا على العشاء عند مضيفهم الذي كان ينتظرهم ، فقال فيهم قصيدة لا أزال أحفظ منها هذه الأبيات : خذوا القواديش لا تبقوا القواديشا ولا تخلوا لنا الجرد ( المفاليشا ) وفيها يقول : لو أن ( سلعا وباريشا ) لنا بلد عفنا لأجلكم سلعا وباريشا ولو فعلتم كهذا الفعل في بلد ألقوا عليكم ( برابيشا برابيشا ) والذي يعرف المصطلحات العاملية ويعرف ما تعنيه كلمة ( المفاليش ) و ( البرابيش ) يدري ما في هذا الشعر من طرافة ! . . وسلعا وباريش قريتان في جبل عامل . شقرا ووصلنا إلى شقرا على أمل العودة إلى دمشق في نهاية الصيف دون أن ندري ما كان يخبئه القدر للبلاد كلها ، ودون أن نعلم أن مجيئنا هذه المرة يختلف في مصيره عن كل مرة . وكان أشد ما يملأ نفسي هما هو انقطاعي عن تتبع الحركة الوطنية تتبعا كاملا بسبب انقطاع وصول الجرائد إلي وندرة الحصول عليها . وإذا وقع وحصلت على بعضها كان الحصول متأخرا . ثم أن الجرائد التي كانت تصل هي جرائد بيروت ولم يكن منها في ذلك الحين من يمثل الفكرة الوطنية إلا جريدة الحقيقة لصاحبها كمال عباس التي كانت تمثل الدعوة الاستقلالية العربية أبلغ تمثيل ، وإلا جريدة الأحرار التي كان المشرف الفعال عليها جبران تويني . وكانت الأحرار قد أصدرتها شركة مساهمة فيها جبران تويني وترك تحريرها له . وكان صدور هذه الجريدة حدثا صحفيا ضخما ، إذ أن التويني كان صحفيا موهوبا فطور الصحافة البيروتية تطويرا كبيرا وقفز بها قفزات جعلت منها شيئا جديدا لا سابقة له في البلاد . وفضلا عن التطوير في التحرير والتبويب ، فقد كان التويني يتفرد بمماشاة الصف الوطني والترويج له والدعوة إليه . وكانت جريدته صدى للحركات الوطنية في سوريا ولبنان على السواء . وهو أول من اتخذ للجرائد مراسلين في الخارج ، فاختار نجيب الريس مراسلا له في دمشق . وصارت رسالة دمشق تحمل أخبار التحركات الوطنية فتنشر في الأحرار موزعة في كل مكان . وكنت إذا سافر مسافر من شقرا فان أعظم ما أوصيه عليه هو أن يحضر لي معه في عودته جريدة . على أن ما فاتني من متابعة الاطلاع على الجرائد اليومية كنت أعوضه بعض التعويض بمتابعة الاطلاع على مجلة [ العرفات ] العرفان التي كانت تصلنا شهريا . فقد كانت تسد جزءا من الفراغ الذي صرنا فيه من انعدام المطالعة اليومية للصحف . . . الثورة لم نكد نستقر في شقرا ، ولم نكد نحصل على بعض الصحف حتى رحنا نطالع فيها طلائع تحرك ضخم في سوريا . وأخذت الأنباء منقولة على الشفاه ، ومحمولة من مكان إلى مكان تصل إلينا ، وفيها ما يشعر بان جبل الدروز غاضب على السلطات الحاكمة . ولم نكن نستطيع أن نعي حقيقة ما يجري لأن الصحف لا تحمل الأنباء الصريحة ، كما أن ما تتداوله المجالس التي نحضرها لم يكن واضحا كل الوضوح . ومن ذلك أن رجلين دمشقيين جاءا إلى شقرا كنت أعرف أحدهما لأنه كان من صحابة والدي المقربين إليه ولم أكن أعرف الآخر ، ولم أكن قد رأيته من قبل ، ثم اختلى الرجلان بوالدي خلوة طويلة لم ندر ما دار بينهما وبينه فيها من أحاديث وبات الرجلان في شقرا وفي الصباح الباكر غادراها عائدين إلى دمشق دون أن نعرف شيئا عن مهمتهما . ثم عرفنا بعد ذلك أن مهمتهما كانت إبلاغ والدي عما يجري من إعداد للثورة والتشاور معه في شؤون هذا الاعداد . ثم تتابعت الأنباء - شيئا فشيئا فعرفنا أن الثورة الفعلية قد نشبت في جبل الدروز ، وأن المعارك مشتعلة . وفجاة وصلت إحدى الصحف البيروتية وفيها النداء البليغ الذي أذاعه سلطان الأطرش داعيا السوريين جميعا إلى حمل السلاح والثورة على الانتداب . وقد تكررت فيه كلمة : إلى السلاح . . . وعلقت الصحيفة على النداء قائلة بما معناه : أن الحقيقة كما هو معلوم أن القوم ثاروا لغير هذا الهدف . وأحسب الآن أن الصحيفة قالت أنها تنقله عن جريدة المقطم المصرية ، وأن التعليق كان للمقطم نفسها . وبت متلهفا على تتبع أنباء الثورة ، ولم يكن الفرنسيون قد أعلنوا الرقابة على الصحف بعد ، لذلك كانت الصحف تنشر كل يوم ما يبلغها من أخبار . ثم علمت بما جرى للجنرال ميشو وحملته وما انتهى إليه أمر جيشه من الهزيمة النكراء . ثم أخذت أخبار الثورة تتوضح وتنجلي على أبرز حال . وأريد أن